محمد متولي الشعراوي
4386
تفسير الشعراوى
ثم بعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية تسخير الكون للخلق ؛ لذلك كان الحديث موجها إلى كافة الناس : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ . وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وأراد سبحانه أن يعطينا الحيثيات التي تجعل للّه رسولا يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج اللّه في حركة حياتهم ، فقال : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وما دام هو الذي يملك السماوات والأرض ، ولم يدّع أحد من خلقه أنه يملكها ، وفي السماوات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد . ولو أن السماء لواحد ، والهواء لواحد ، والأرض لواحد ، وما بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا ، وإله هناك وإله هنا لك . وفي هذا يقول الحق : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ( من الآية 91 سورة المؤمنون ) إذن فمادام الوجود كله من السماوات والأرض وما سواهما للّه ، فهو الأولى أن يعبد ، وأول قمة العبادة أن تشهد بأنه لا إله إلا اللّه ، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السماوات والأرض . وما دام إلها فلابد أن يطاع ، ولا يطاع إلا بمنهج ، ولا منهج إلا بالفعل ولا تفعل . وأول المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد . وجعل اللّه للتوحيد حيثية من واقع الحياة فقال : يُحْيِي وَيُمِيتُ . * وهذا أمر لم يدعه أحد أبدا ؛ لأن اللّه هو الذي له ملك السماوات والأرض ، ولأنه يحيى ويميت . ولذلك نجد من حاجّ إبراهيم في ربه يقول الحق عنه : أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ( من الآية 258 سورة البقرة ) وحاول هذا الملك أن يدير حوارا سفسطائيّا مضللا ليفحم ويسكت إبراهيم - عليه السلام - فقال : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ( من الآية 258 سورة البقرة )